عبد الله بن أحمد النسفي
130
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 138 إلى 139 ] صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ ( 138 ) قُلْ أَ تُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ ( 139 ) بعضهم وإجلاء بعض « 1 » ، ومعنى السين أنّ ذلك كائن لا محالة وإن تأخر إلى حين وَهُوَ السَّمِيعُ لما ينطقون به الْعَلِيمُ بما يضمرون من الحسد والغلّ وهو معاقبهم عليه ، فهو وعيد لهم ، أو وعد لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أي يسمع ما تدعو به ويعلم نيتك وما تريده من إظهار دين الحقّ وهو مستجيب لك وموصلك إلى مرادك . 138 - صِبْغَةَ اللَّهِ دين اللّه وهو مصدر مؤكد منتصب عن قوله : آمنا باللّه ، وهي فعلة من صبغ كالجلسة من جلس ، وهي الحالة التي يقع عليها الصبغ ، والمعنى تطهير اللّه لأنّ الإيمان يطهر النفوس ، والأصل فيه أنّ النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعموديّة ويقولون هو تطهير لهم ، فإذا فعل الواحد منهم بولده ذلك قال الآن صار نصرانيا حقا ، فأمر المسلمون بأن يقولوا لهم : آمنا باللّه وصبغنا اللّه بالإيمان صبغته ولم نصبغ صبغتكم ، وجيء بلفظ الصّبغة للمشاكلة ، كقولك لمن يغرس الأشجار اغرس كما يغرس فلان تريد رجلا يصطنع الكرام « 2 » وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً تمييز أي لا صبغة أحسن من صبغته ، يريد الدّين أو التطهير وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ عطف على آمنا باللّه ، وهذا العطف يدلّ على أنّ قوله : صبغة اللّه ، داخل في مفعول قولوا آمنا أي قولوا هذا وهذا ونحن له عابدون ، ويردّ قول من زعم أنّ صبغة اللّه بدل من ملّة إبراهيم ، أو نصب على الإغراء ، بمعنى عليكم صبغة اللّه لما فيه من فكّ النّظم وإخراج الكلام عن التئامه . وانتصابها على أنّها مصدر مؤكد ، هو الذي ذكره سيبويه ، والقول ما قالت حذام . 139 - قُلْ أَ تُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ أي أتجادلوننا في شأن اللّه واصطفائه النبي من العرب دونكم ، وتقولون لو أنزل اللّه على أحد لأنزل علينا وترونكم أحقّ بالنبوة منا وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ نشترك جميعا في أننا عباده وهو ربنا وهو يصيب برحمته وكرامته من يشاء من عباده وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ يعني أنّ العمل هو أساس الأمر ، وكما أنّ لكم أعمالا فلنا كذلك وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ أي نحن له موحدون نخلصه « 3 » بالإيمان وأنتم به مشركون ، والمخلص أحرى بالكرامة وأولى بالنبوة من غيره .
--> ( 1 ) في ( ظ ) و ( ز ) بعضهم . ( 2 ) في ( ز ) الكرم . ( 3 ) في ( ز ) نخصه .